أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

100

نثر الدر في المحاضرات

حضر مال كثير ، وأريد أن أصيّره إليك أتحصّننّ منزلك ؟ قال : نعم . قال : فأعدّ موضعا للمال ، وقوما يحملونه . وعاد الرجل إلى إياس ، فقال له : انطلق إلى صاحبك ، فاطلب مالك ، فإن أعطاك فذاك ، وإن جحدك فقل له : إنّي أخبر القاضي . فأتى الرجل صاحبه ، فقال : مالي ، وإلّا أتيت القاضي ، وشكوت إليه . فدفع إليه ماله ، ورجع الرّجل إلى إياس فأخبره ، وجاء الأمين لموعده ، فزجره إياس وقال : لقد بان يا خائن . قال إياس لقوم من أهل مكّة : قدمنا بلادكم ، فعرفنا خياركم ، وشراركم قالوا : وكيف عرفتم ؟ قال : كان معنا أخيار ، وأشرار تعرفهم ، فلحق كلّ جنس بجنسه . كان إياس يقول : الخبّ لا يخدعني ، ولا يخدع ابن سيرين ، ويخدع الحسن ، ويخدع أبي . وتبصّروا هلال شهر رمضان وهم جماعة ، وفيهم أنس بن مالك وقد قارب المائة ، فقال : قد رأيته ، فقال إياس : أشر إلى موضعه . فجعل يشير ، ولا يرونه ، ونظر إياس إلى أنس فإذا شعرة من حاجبه بيضاء قد انثنت ، فصارت على عينه ، فمسحها إياس وسوّاها ، ثم قال : يا أبا حمزة أرنا موضع الهلال ، فنظر ، فنظر ، فقال : ما أرى شيئا . قال رجل لإياس : هل ترى عليّ بأسا إن أكلت تمرا ؟ قال : لا . قال : فهل ترى بأسا إن أكلت معه كيسوما « 1 » ؟ قال : لا . قال : فإن شربت عليهما ماء ؟ قال : جائز . قال الرجل : فلم تحرّم السّكر وإنما هو ما ذكرته لك ؟ فقال إياس : لو صببت عليك ماء . هل كان يضرّك ؟ قال : لا . قال : فإن نثرت عليك ترابا وتبنا ، هل كان يضرّك ؟ قال : لا . قال : فإن أخذت ذلك ، وخلطته ، وعجنته ، وجعلت منه لبنة عظيمة ، فضربت بها رأسك ، أكان يضرّك ؟ قال : كنت تقتلني . قال : فهذا مثل ذلك .

--> ( 1 ) الكيسوم : الحشيش الكثير ، يقال : روضة كيسوم : أي ندية أو متراكمة النبت .